أخر الاخبار
كيف صارت مناطق “مغمورة” من العالم فجأة ذات أهمية بالغة للأمن القومي الأمريكي في 2020؟
فجأة ومن دون مقدمات، أصبحت مناطق غير معلومة لمعظم الأمريكيين تمثل أهمية كبيرة للأمن القومي
الأمريكي، إذ يمكن لقضايا السيادة والحدود والسيطرة غير المحلولة، لبعض الأماكن المجهولة نسبياً في
العالم أن تؤدي إلى صراع أوسع من الممكن أن يُعرِّض مصالح واشنطن للخطر، من وجهة النظر الأمريكية. فكيف
ذلك؟
مناطق صغيرة ومجهولة للأمريكيين قد تشعل صراعات إقليمية وعالمية
يقول توماس ليبمان، الصحفي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط والسياسة الخارجية الأمريكية، إنه خلال سنوات
تغطيته للسياسة الخارجية الأمريكية في صحيفة “واشنطن بوست”، كان يكتب عن قضايا وصراعات في
مناطق لم يسمع بها إلا قِلَّة من الأمريكيين، وكان من يهتمون بها منهم أقل من ذلك حتى، مثل الصحراء
الغربية في أقصى المغرب العربي، وإقليم ناغورنو قره باغ، المتنازع عليهما.
“هناك صراعات في مناطق لم يسمع بها إلا قِلَّة من الأمريكيين، لكنها تمثل أهمية بارزة للأمن
القومي الأمريكي”/ تعبيرية
يقول ليبمان: “كانت وجهة نظري مختلفة. فكنتُ أفكر بشأن عام 1914، حين أشعل اغتيال أرشدوق نمساوي
نبيل وزوجته على يد إرهابي صربي في سراييفو حرباً عالمية أسفرت عن مقتل الملايين وأدَّت إلى سقوط
إمبراطوريات. فإذا كانت مسألة ما تبدو مغمورة لكن لها من الأهمية ما يكفي لدفع وزارة الخارجية الأمريكية
لرؤية خطر محتمل وتكريس الوقت والطاقة له، فإنَّني استنتجتُ أنَّه قد يكون لها آثار وتداعيات طويلة
الأجل لم تكن بادية للعيان”.
ويضيف الصحفي الأمريكي: “كانت منطقتان من تلك التي كتبتُ عنهما وتندَّر عليهما زملائي هما إقليم
ناغورنو قره بغ ومنطقة الصحراء الغربية المتنازع عليهما. وبعد مرور أكثر من عقدين من الزمن، عاد هذان
النزاعان إلى الأخبار بقوة خلال الأشهر الأخيرة، ولا يزالان بدون حل وخطيرين”.
الصحراء الغربية في عين العاصفة ومركز الاهتمام الأمريكي
تُعَد المنطقة حيوية لأسباب اقتصادية وكذلك سياسية. وكما أشار تحليل لمجلة “نيوزويك”، فإنَّ
“المستعمرة الإسبانية السابقة، التي تُعَد موطناً لأقل من مليون نسمة، تملك موارد قيمة، بما في
ذلك المياه الأطلسية الغنية بالأسماك، والفوسفات، واحتياطات نفطية محتملة، وتمثل بالنسبة للرباط طريقاً
استراتيجياً جنوباً نحو أسواق غرب إفريقيا المربحة”.
لا يعرف بعد موقف إدارة بايدن من قضية الصحراء الغربية التي قدم ترامب اعترافاً بسيادة الرباط عليها،
afp
ترفض معظم بلدان العالم والاتحاد الإفريقي الاعتراف بالسيادة المغربية على الإقليم الصحراوي. وكانت
الولايات المتحدة من بين تلك الدول حتى بضعة أسابيع خلت. ثُمَّ غيَّرت إدارة ترامب اللعبة فجأة، فاعترفت
بسيادة المغرب على الصحراء مقابل موافقة المغرب على تطبيع العلاقات مع إسرائيل.
وذكرت “صحيفة وقائع” أصدرها البيت الأبيض في 11 ديسمبر/كانون الثاني أنَّ الرئيس ترامب
“يرفض الوضع الراهن ويدفع باتجاه الحل الوحيد الجاد والموثوق والواقعي لنزاع الصحراء
الغربية”. ولم تحذُ أي دولة أخرى حذو البيت الأبيض.
وانتقد وزير الخارجية الأمريكي السابق جيمس بيكر، والذي سعى بلا جدوى للتوصل إلى حل دائم حين كان
“المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة للصحراء الغربية” بين عاميّ 1997 و2004،
الإدارة على قرارها هذا.
وكتب في صحيفة The Washington Post الأمريكية: “كان إعلان الرئيس ترامب الأخير الاعتراف بالسيادة
المغربية على الصحراء الغربية تراجعاً صاعقاً عن مبادئ القانون الدولي والدبلوماسية التي تبنتها
الولايات المتحدة واحترمتها لسنوات كثيرة. هذه الخطوة المتهورة المتخفية في صورة دبلوماسية ستزيد الجمود
الحالي في حل الصراع طويل الأمد بين المغرب وشعب الصحراء الغربية حول وضعية المنطقة. علاوة على ذلك،
تهدد الخطوة بتعقيد علاقاتنا مع الجزائر، وهي شريك استراتيجي مهم، ولها تداعيات سلبية على الوضع العام
في شمال إفريقيا”، حسب تعبيره.
في النهاية، هناك أماكن أخرى مجهولة نسبياً في العالم يمكن لقضايا السيادة والحدود والسيطرة غير المحلول
فيها أن تؤدي إلى صراع أوسع من الممكن أن يُعرِّض المصالح الأمريكية للخطر. ويتمثل الدرس المستفاد من
ناغورنو قره باغ والصحراء الغربية في أنَّه يسهل تجاهلهما، لكن يمكن لذلك أن يكون خطيراً.