المناطق المحتلة

هل تأسس تجمع المدافعين الصحراويين عن حقوق الإنسان ليتم حلّه؟

محمد علي ندور

اصدرت الناشطة الصحراوية مينتو حيدار وأشخاص آخرين رفقتها، بتاريخ 03 سبتمبر 2020 بلاغا أعلِن من خلاله “حل”،  ما كان يسمى “تجمع المدافعين الصحراويين عن حقوق الإنسان”، (الكوديسا)،  وأصر في اليوم الموالي “بيان” على الإبقاء على هذا “التجمع”  نسب لبقية التشكيلة، ما لم يسجل موقفا ثالثا، ممن كان ينسب لهم “التجمع” وينسبون إليه.

وليس هذا المقال بصدد مناقشة تداعيات “البلاغ والبيان”، ولا توقيت الإصدار، ولا تأثيراتهما على الساحة السياسية والحقوقية، ولا أيضا التراشقات الإعلامية التي عقبتهما، ولا حتى تدوينات الوسائط الاجتماعية العابرة لجدار الذل والعار المغربي، أو تلك التي عبرت المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، ولا يناقش ما سوّق له الإعلام المغربي والمخزني.

ما يهم من هذين الإصدارين، “البلاغ” و”البيان”، أنهما شكلا ومضمونا أظهرا مسألتين:

الأولى تتعلق بالبتلاء التي عبر عنها “البلاغ” في مقابل ضعف لغته وارتباك مضمونه، وترنح صيغته من “بلاغ” إلى “رسالة” باسم صاحبة التوقيع أعلاه، إضافة إلى  أن البلاغات في الغالب لا قيمة قانونية لها ولا تنتج أثرا،  بينما يحسب “للبيان” صياغته اللغوية، والمواقف المعبر عنها، رغم ما شابه من مزايدات، والعورة التي أبان عنها عند ربط الحركة الحقوقية الصحراوية بالمنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف فرع الصحراء، ومن أكثر عيوبه بروزا إقراره بوجود “لجنة تحضيرية للمؤتمر التأسيسي” ويصدر بيانا بإسم “التجمع”، وفاته أيضا أن ما بين سنة 2002 وسنة 2007 خمس سنوات، وما بين سنة 2007 وسنة 2020 أزيد من 12 سنة، و”التجمع” لم ترسو سفينته بعد، حسب “البيان” دائما.

كلا الوثيقتين تجعل القارئ في حيرة من أمره حول نقاط أساسية أهمها:

1.    ماهو المرجع الذي استند إليه “البلاغ” ليعلن حل “التجمع”، وماهو السند الذي إرتكز عليه “البيان” ليؤصل للاستمرارية التنظيمية “للتجمع”؛

2.    التناقض الواضح حول تاريخ “تأسيس” تجمع المدافعين الصحراويين عن حقوق الإنسان، (عبارة التأسيس هنا وظفت للضرورة وليس للدلالة القانونية)؛

3.      التضارب الجلي في التشكيلة التنفيذية للتجمع وفي عدد أعضاءه ومنتسبيه؛

4.    ماهي السبل والقواعد التي تم الاحتكام إليها للمرور بــ”التجمع” من ما سمي آنذاك بـــ”السكرتارية”، إلى ما عرف بعدها باسم “المكتب التنفيذي”؟؛

أما المسألة الثانية وهي الأساس الذي فرض عليّ الكتابة عن هذا الموضوع، الذي ما كنت اتصور دخوله، لولا المس ببعض المبادئ والإخلال بجملة من المرتكزات، التي لا يمكن أبدا السكوت عليها، أو تجاهلها.

فالنتيجة التي يمكن لأي ملاحظ ومتتبع أن يخلص لها من “البلاغ” و”البيان”  أن ما أطلق عليه “تجمع المدافعين الصحراويين عن حقوق الإنسان” لم يكن من منظور قانوني سوى “منظمة وهمية” وإطارا غير مؤسّس ولا مشكّل وفق نظم وضوابط طالما حكمت تأسيس واشتغال وسير وتسيير المنظمات غير الحكومية، ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال:

أولا: لا “التجمع” بلجنة تحضيرية حتى نقول أنها فشلت في تأسيسه، وبالتالي وجب حلها،  ولا هو بالإطار المؤسّس بالشكل والمعنى القانوني، المتعارف عليه في القانون المقارن لتأسيس المنظمات غير الحكومية؛

ثانيا: تأسيس أي منظمة غير حكومية في أدنى متطلباته يستلزم مؤتمرا تأسيسيا (جمعا عاما)، وهو الأمر الغائب بتاتا عن “الكوديسا” منذ الإعلان عن إقدام إدارة الاحتلال المغربية منع عقد هذا الجمع، ومنذ ذلك الحين لم يتجسد ولو شكليا هذا المؤتمر؛

ثالثا: إنعدم عند المنتسبين “للتجمع” أي قانون ناظم، وغاب لديهم أي نظام ضابط، معتمَدَين، يعرّفان بأهداف “الكوديسا”، ويحددان مجال نشاطه، ومقره، وهيئاته، وطريقة اكتساب وفقد العضوية أو سحبها؛

رابعا: لم ينتظم “التجمع” في إطار منظمة لها  هياكل تقرر  وأخرى تسير وتنفذ، هياكل تنفيذية تسمّى وتخلع من طرف هياكل تداولية؛

خامسا: مما يعاب على “الكوديسا” أنه ما جلأ  آليات اتخاذ القرار، ولا بيّن عمليات التصويت، ولا الأغلبية الموصوفة، خصوصا لاتخاذ القرارات المصيرية، بما فيها قرار الحل، حتى يمكن بحث مدى قانونية وشرعية “قرار الحل” الذي عبر عنه “البلاغ” ونفاه “البيان”؛

سادسا: انتفت عند “التجمع” الأحكام الضامنة امتثال الأهداف، والزاجرة للمخلين بها؛

هذه الموجبات هي التي تخول لأية منظمة الشخصية الاعتبارية، وعبرها الأهلية القانونية التي بدونها لن تقوم لها قائمة.

بدون توافر شروط الشخصية الاعتبارية والأهلية القانونية، التي ذكر بعضها أعلاه، لا يمكن القول أن “الكوديسا” كانت مؤهلة لتتحمل مسؤولية الدفاع عن قضايا حقوق الإنسان، والترافع عن ملفات الضحايا، ولا سلوك سبل الانتصاف نيابة عنهم، وبالتالي هيّ والعدم سيّان.

وإن انتفت المسؤولية القانونية عن “التجمع” نتيجة انتفاء الشخصية الإعتبارية عنه، فمنتسبوه مسؤولون مسؤولية شخصية عن أخطائهم، وإهمالهم، وعن الأضرار الملحقة بالغير.

التوصية في هذا الشأن، أن على كل من نسب نفسه لهذا “التجمع”، أن يثبت لنا عكس ما سبق، ونتمنى صادقين ذلك، وإلا فإن هذا “التجمع”  متّهما بخداعنا طيلة أزيد من 15 سنة، ومسؤولا عن غرّ وتضليل الرأي العام، ب”منظمة” لا وجود لها قانونا في الأصل، إلا في أدبيات صنّاعه ومخيلة من اقتنع ووثق به وفي منتسبيه، إلا إذا خرج علينا البعض ليقول أن “التجمع” مؤسّس “بحكم الواقع”، أو “الوضع القائم”.

فمن حق الصحراويين خصوصا ضحايا الانتهاكات المغربية لحقوقهم، والذين شملت تقارير وبيانات هذا “التجمع الوهمي” في يوم من الأيام اسماءهم، وسردت شهاداتهم، ووصل “التجمع” إلى معلوماتهم الشخصية، ودخل محلاتهم ومساكنهم الخاصة، مساءلة هؤلاء عن “الإطار” الذي عملوا من خلاله، و”المنظمة” التي زاولوا عبرها مهماتهم الاستقصائية، فما حصل عليه “التجمع” ليس تافها ليحرقه “بلاغ”، وليس بدون فائدة ليتلفه “بيان”.

ونطرح هنا التساؤلات المشروعة من قبيل: ماهو مصير المعلومات الشخصية للمئات من الضحايا؟ وما منتهى الشهادات المؤخوذة للعشرات من هؤلاء؟ ماهو مآل آلاف الشكايات التي أمسك بها “التجمع”؟ أين انتهت شهادات الضحايا التي أخذها “التجمع” شفهيا وكتابيا وتسجيلا بالصوت والصورة؟…

وهي التساؤلات التي تطرح ليس فقط على هذه “المنظمة السراب”، ولكن من حق كل ضحية طرحها على باقي المنظمات الصحراوية القائمة إلى أن يتبين العكس.

يعاب على فرقاء “الكوديسا” اليوم، تغليب الدوافع الذاتية والشخصية، في الوقت الذي عليهم ترجيح الأهداف التي قيل أنهم سطّروها، فما وضعه “التجمع” بين يديه أمر لا يستهان به، فالأرشيف والذاكرة والشهادات هي موروثا وتراثا ليس ملكا لعضو  أو عضوين،  فمن حق الجميع معرفة مصيره مؤسساتيا، ومن غير المقبول حفظ هذه الأمانة عند شخص أو لدى فلان ، وعلى الفرقاء تدارك الوضع حتى يمكن لملمة ما بقية من ثقة -إن بقي- في المنظمات الصحراوية المدافعة عن حقوق الإنسان.

وخلاصة القول لا “البلاغ” حلّ منظمة مؤسسّة، ولا “البيان” أبقى تنظيما مُنشأ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

EnglishSaudi Arabia
إغلاق