أخبار سياسية

مع من نتفاوض (أعرف عدوك)

قصة من الواقع:

حدثني صديق وأخ عزيز أنه عندما كان يدرس الجامعة في الشرق الأوسط نهاية الثمانيات وبداية التسعينات، كان وزملاؤه قد إعتادوا شراء الجرائد والدخان من كشك يعمل فيه شيخ وقور مطلع وقارئ نهم حال أغلب أهل تلك الأرض، وكان يعرف القضية الصحراوية ويتابعها ويسأل عنها صديقي وزملاؤه بإستمرار، وبعد توقيع إتفاق وقف إطلاق النار مروا بالكشك كعادتهم لشراء الجريدة والإطلاع على المستجدات، فقال لهم البائع المسن:

– خربتوها يا أولاد، ماكان ينبغي توقيع إتفاق مع المغرب والأمم المتحدة !!!!

لماذا ياحاج؟؟؟؟؟؟

لأنكم ادخلتم أنفسكم في دهاليز لا تتقنون التعامل معها بينما المغرب مختص وفنان في لفها ودورانها.

**************************************

مضت أكثر من ثلاثة عقود على أول إتفاق بين الشعب الصحراوي ممثلا في رمز كفاحه جبهة البوليساريو مع الدولة الغازية الظالمة والجار الذي لا يؤتمن المملكة المغربية ممثلة في نظامها الملكي برعاية المنظمة الدولية الفاشلة الأمم المتحدة، هذا الإتفاق لم يرى منه النور إلا بند واحد وهو وقف إطلاق النار الذي أصبح نافذا في 06 سبتمبر 1991. وللتذكير دائما لمن غفل أو إستلذ بالسلام الوهم فإن أغلب أصوات الصحراويين كانت رافضة لهذا الإتفاق ليس رغبة في الحرب ولكن لدرايتها العميقة بمن هو النظام المغربي، ومنذ اللحظات الأولى للتعثر في تنفيذ بقية البنود بدأ يعلو الصياح والصراخ والتنبيه والإستهجان لتنبيه جبهة البوليساريو أنها تسير في درب بلانهاية من خلال مصافحة طرف معروف بالغدر والنذالة والحقارة والإعوجاج والخروج عن الدين وقلة إحترام المواثيق والعهود وهي خصال ليست جديدة على المملكة المغربية بشهادة التاريخ الذي لا يرحم والسجلات السوداء لهذا النظام المملوءة بالخيانات والغدر والظلم ليس فقط في منطقته الجهوية بل في أفريقيا أين شارك في قلب العديد من الأنظمة عبادة لسيدته فرنسا، وفي آسيا أين أفصحت الأيام عن حقيقة الجهود التي يبذلها المغرب لصالح إسرائيل، والأمثلة كثيرة ومخزية وموثقة لمن يريد التأكد.

ومرت الأيام والأشهر والسنوات، والبوليساريو بحسن نية تغوص في الوحل والطين الذي يجمع المغرب ترابه وتبلله الأمم المتحدة، ولذر الرماد في عيوننا ومحاولة تحوير الأمور والمسار عرضوا علينا التفاوض، وقبلنا الإنخراط فيه رغم درايتنا بالمآل الذي سينتهي إليه، وتعثرت عشرات الجلسات رغم إدارتها والإشراف عليها من طرف عشرات الشخصيات من مختلف الخلفيات والكفاءات وتنظيمها بمختلف الأماكن المهمة وبعدة طرق (تكتيكية، ومباشرة وغير مباشرة…) وتحت العديد من المسميات (مفاوضات، جلسات حوار، طاولات مستديرة …) كل هذا لم يكن محاولات لتحقيق أي شئ لأن الجميع بمن فيهم الشعب الصحراوي يدرك تماما مع من نتفاوض. وهنا يبرز السؤال: مع من نتفاوض؟

إن كنا نتفاوض مع المملكة المغربية فطبيعتها وما جُبلت عليه ذكرناه في المقدمة، وبالتالي فالنتيجة هي ما نقف عليه اليوم من ندم وأسف على مرور عقود من الوهم مرفقة بالمرارة وتعذيب الصحراويين وقتلهم بدم بارد وممارسة المغاربة لما يتقنونه ويعترفون به (سرقة خيرات أرض ليست لهم)، وإستمرار معاناة الصحراويين الذين لا يطالبون سوى بيوم واحد للتصويت عن رغبتهم وتقرير مصيرهم. ولمن يعمى عن رؤية حقيقة المغرب فليستمع لتسجيلات ملوكه عندما يصفون أبناءهم “بالأوباش/ ويصفوننا بأننا أخوت جمالنا”، وليتمعنوا في كيفية تعاملهم مع أبناءهم من الشعب المغربي (إبادة القرى بالدبابات عندما طالبوا بالخبز، أو قتلهم بالرصاص الحي، وسحقهم وتعذيبهم وإغتصابهم وكل هذا موثق بالصوت والصورة/ أو الكيفية التي عاملوا بها الشعب الصحراوي إبان غزوهم الجائر لأرضه إذ قتلوا الآلآف وأختطفوا المئات ونكلوا وعذبوا أكثر من ذلك في ظرف أسبوعين ثم أستمر طاعون الدمار المغربي في كل جوانب الحياة على مدار سنوات الإحتلال).

وإذا كنا لانفاوض المملكة المغربية، فإننا بالنتيجة نفاوض فرنسا الإستعمارية ممثلة في حضور الوفود المغربية، والحال هكذا فنحن كمن يحلب ناقته في البحر (حلاب ناقتو في الظاية)، نستهلك أنفسنا في ما لافائدة ترجى منه، ففرنسا أسوأ من المغرب، وأكثر سما وعدوانية، وبينها وبين الوفاء بالوعد وإحترام الغير ما بين السماء والأرض، وهي دولة ملعونة تربت على القتل والتدمير وتنفيذ المذابح والمجازر بمنتهى الرواق والأريحية وتاريخها في الجزائر وغيرها من المستعمرات في أفريقيا وآسيا موثق أيضا بالصوت والصورة.

 والخلاصة هي أننا أخطأنا عندما وضعنا البنادق وأستبدلناها بوعود ممن إشتهر بنكث الوعد سواء المملكة المخزنية أو الأمم المتحدة أو فرنسا القذرة، وكررنا الخطأ عندما قبلنا بالتفاوض لأن معناه ببساطة الخنوع لإملاءات من نكثوا بالوعد والدخول في دهاليز ومتاهات ملتوية تروم تغيير طبيعة الإتفاق والإلتفاف على جوهر قضيتنا وتحويره إلى مسارات أخرى لا تحقق لنا ما حاربنا من أجله.

كان واضحا وجليا وبينا أن العالم يستمع لنا فقط حين نهدد برفع المدافع لإستعادة حقوقنا، وعندما يتمكن بالخداع والكذب من ثنينا عن ذلك تستمر المأساة ويستمر الإستهزاء بنا وإهانتنا وصهرنا البطئ في حرارة الزمن.

الآن بعد عقود ثلاثة هل لازلنا نحتاج لبينة أننا عرضة للتلاعب وأننا الطرف المقهور والمحتقر، وأننا أصبحنا مادة للتندر والتفكه على موائد رجالات السياسة في الغرب ممن لا يعرف ذرة عن حالنا ومع ذلك نستمر في تقديم له مأساتنا ليقرر بشأنها من خلف مكتب زجاجي مكيف، هل نحتاج الدليل أنه لايحك الجلد إلا الأظافر. علينا أن نعي قبل فوات الآوان أن من نلهث وراء التفاوض معهم ليسوا مؤهلين حتى للمصافحة فما بالك بإنتظار الوفاء منهم، علينا أن نعي أن التعقيدات الحالية التي تحيط بقضيتنا لا حل لها إلا الكفاح المسلح وغيره هو الطريق لمزيد من التعقيد والتراكمات التي إن تساهلنا معها الآن سنعض أصابعنا ندما في وقت لا ينفع فيه الندم.

حمادي البشير

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

EnglishSaudi Arabia
إغلاق